الدولار وصل إلى عتبة الـ 1700: المخاطر كثيرة.. فهل “تطير” الحكومة؟

الدولار وصل إلى عتبة الـ 1700 ليرة لبنانية لدى بعض الصيارفة، هذا هو الإستنتاج الحزين الذي وصل إليه لبنان امس. سعر يجعل المواطن والشركات ترفع الصرخة في وجه السلطة السياسية مُطالبة إيّاها بالتدخّل لتأمين دولارات في السوق بسعر الصرف الرسمي.

أزمّة الدولارات سبّبت أزمات عدة بحكم أن مُعظم الإستهلاك اللبناني هو مُستورد والقليل منّه مُصنّع محليًا. وحتى هذا الأخير، يتطلّب تصنيعه إستيراد مواد أوّلية من الخارج. بالنتيجة كل ما هو مُستهلك تقريبًا يتطلّب دولارات في مرحلة أو أخرى.
زيادة الطلب على الدولار الأميركي جعلت المصارف تلجم عرضها تخوّفًا منها من فقدان مخزونها مع إتهامات لبعض الشبكات بتهريب الدولارات إلى سوريا عبر الحدود، حيث يتمّ شراء الدولار في لبنان بسعر رخيص وبيعه في سوريا بسعر مُرتفع. وبما أن سعر صرف الدوّلار خاضع لمبدأ العرض والطلب، لذا أخذ الصيارفة مجّدهم في رفع الأسعار حتى وصلت في البقاع البارحة إلى عتبة الـ 1600 ليرة لبنانية.

ما تقدم يدعو إلى السؤال لماذا لا تتدخّل الحكومة للجم الوضع ولماذا هذا الصمّت المُدقع؟

“الطلب الزائد على الدولار الأميركي لا يُمّكن أن يكون نتيجة نشاط إقتصادي” يقول الباحث الإقتصادي البروفسور جاسم عجاقة لموقع “لبنان 24”. ويُضيف عجاقة أن “الكمّية التي كانت المصارف تعرضها قبل الأزمة هي نفسها التي تعرضها حاليًا، وهذا يعني أن هناك إستخداما غير مُبرّر إقتصاديًا نظرًا إلى أن الإستهلاك تراجع في النصف الثاني من العام الحالي مع توقّعات بنمو صفر في أحسن الأحوال وانكماش اقتصادي في أسوأ الأحوال. أيضًا هناك طلب متزايد من قبل الدوّلة على الدولارات مما يجّعلها تتنافس والقطاع الخاص على هذه الأموال، وبالتالي هناك رفع تلقائي لسعر الفائدة في الأسواق”.

لكن لماذا هناك طلب متزايد من قبل الدوّلة على الدولارات؟ يُجيب عجاقة بالقول “حاجة الدوّلة اللبنانية إلى الدولار الأميركي إزدادت في السنوات الماضية وأصبحت تفوق الـ 5 مليار دولار سنويًا وهي نتاج إنفاق مُفرط على إستيراد الفيول لكهرباء لبنان، خدّمة الدين العام بالدولار الأميركي، ومشتريات الدوّلة من سلع وخدمات من الخارج”. ويُضيف، “بالطبع هناك أيضًا الاستيراد المُفرط الذي يقوم به اللبناني والذي يؤدّي سنوبا إلى خروج ما يزيد عن 20 مليار دولار أميركي من السوق اللبناني. وفي مقابل ذلك، لم تعد مداخيل الدوّلة تكفي لتغطية هذا الإنفاق المُفرط في العمّلة الصعبة نظرًا إلى أن الصادرات ضعيفة، والسياحة تتلقّى ضربات سنويًا في كل صيف (حادثة قبرشمون)، والإستثمارات الأجنبية المباشرة التي تتراجع مع الوضع السياسي مع بعض الدوّل، بالإضافة إلى ركود تحاويل المغتربين اللبنانيين. لذا تعمد الدوّلة إلى إصدار سندات يوروبوند لتغطية الفارق حيث يقوم القطاع المصرفي بشراء قسم من هذه السندات والقسم الأخر يتمّ بيعه في الأسواق المالية”.

وعلى صعيد تسعير بعض التجّار أسعارهم بالدولار الأميركي، يقول عجاقة “الدوّلة تتحمّل مسؤولية تسعير التجّار للسلع والبضائع بالدولار الأميركي، فالمرسوم الإشتراعي 73/83 يفرض على التجار عرض لائحة الأسعار بالليرة اللبنانية. ولا يُمّكن التلكؤ في تطبيق القوانين لأن المخاطر التي تلوح في الأفق كبيرة وعلى رأسها الإطاحة بالحكومة”.

وعن حقيقة وجود أسباب سياسية وراء شحّ الدولار وبالتحديد العقوبات الأميركية على “حزب الله” وعلى سوريا، يقول عجاقة “لا تخفى على أحد الأهداف المُعلنة للولايات المُتحدة الأميركية في فرض عقوبات صارمة على إيران وعلى “حزب الله”. وقطاعنا المصرفي لا يُمّكنه إلا الإمتثال للعقوبات، لأن عدم الإمتثال يعني القضاء على الكيان اللبناني. لكن هذا الأمر لا يعني بالضرورة أن المصارف ومصرف لبنان تُنفّذ الرغبة الأميركية عبر سحب الدولار من الأسواق، فالحفاظ على كمية دولارات في القطاع المصرفي هو أمر حيوي للثبات المالي والنقدي. ولو كنت شخصيًا مكان أصحاب القرار لقمّت بنفس الإجراءات إذ لا يُمكن القبول بخسارة الإحتياط من العملات الأجنبية وتهديد الكيان اللبناني بالكامل!”.

وعن أفق الأزمة يقول عجاقة، “لا يُمكننا التكهّن بما ستؤل إليه الأوضاع. إلا أن الشيء الأكيد هو أن مصرف لبنان مُصمّم على الحفاظ على إحتياطه من العملات الأجنبية نظرًا إلى التحدّيات التي تواجه المالية العامّة، أي ملاءة الدوّلة ونظرًا إلى أهمية الثبات النقدي وما له من تداعيات على المواطن، حيث أن هناك أكثر من 750 ألف موظّف يقبضون أجورهم بالليرة اللبنانية. من هنا نتوقّع أن يتمّ لجم التعامل بالكاش بالدولار وحصر العمليات بالقنوات المصرفية (أي من حساب إلى آخر) لأن في ذلك ضمانة أن الدولارات تبّقى في القطاع المصرفي اللبناني”.

وعن دور الحكومة في مُعالجة الأمر، يقول عجاقة “الحكومة هي السلطة التنفيذية ولها تحت أمرتها العديد من الأجهزة الرقابية بالإضافة إلى الأجهزة الأمنية، وكل ما عليها فعله هو تطبيق القوانين بدءًا من الرقابة على التجّار وصولًا إلى الرقابة على الحدود مرورًا بملاحقة المخالفين وسوقهم أمام القضاء. هذا على صعيد الأرض، أمّا على صعيد الإجراءات المالية والإقتصادية، فعليها تنفيذ شروط مؤتمر “سيدر” من إقرار موازنة العام 2020، تنفيذ خطّة الكهرباء، إصلاح القطاع العام، محاربة الفساد والسهر على تطبيق موازنة العام 2019 لكي تتمكّن من تحرير أموال “سيدر”، وبالتالي بدء الإستثمارات التي تُعتبر باب الخلاص الوحيد للخروج من الأزمة الحالية. والأهمّ يبقى قبل كلّ شيء وقف المحاصصات التي تأتي بأناس غير كفوءين إلى مراكز القرار مما يؤدّي إلى النتيجة التي وصلنا إليها الأن”.
ويبقى السؤال: هل ستتمكن الحكومة من الصمود في وجه هذه العاصفة الهوجاء أن أنه “ستطير”؟

لبنان24

وسوم :
مواضيع متعلقة