بعد التهديدات الأمنية الاخيرة.. عون يطمئن اللبنانيين

شدد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على أن “اللبنانيين يتمتعون بإرادة الحياة وهم متحدون وباستطاعتهم التغلب على كافة التحديات، وعلينا دائما ان نكون في حال جهوزية للدفاع عن انفسنا”.

وقال خلال حديث شامل اجرته معه مجلة valeurs actuelles الفرنسية الواسعة الانتشار، عشية “زيارة الدولة” التي سيقوم بها الى فرنسا غدا الاثنين، وقد تولى الصحافيان بيار الكسندر بوكليه واكرم صفا اجراء الحوار: “انني مؤمن بأن خطر الاسلاميين المتطرفين مثل داعش وجبهة النصرة قد تم دحره بفضل وحدة الشعب وننوه بالعملية العسكرية التي قام بها الجيش اللبناني وحده ونجح بطرد مختلف اشكال الارهاب المسلح بشكل قوي، وننوه بالعمل الذي تقوم به الاجهزة الامنية اللبنانية التي فككت شبكات ارهابية واوقفت الكثير من الناشطين الارهابيين قبل قيامهم بأي اخلال بالامن”.

واذ اشار الى ان “ازمة النازحين السوريين يمكن ان تحل قبل العام 2018 وهو الموعد الذي حدده الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون للمؤتمر الدولي حول ازمة النازحين”، اعتبر أن “يمكن للبنان ان يساعد على توطيد العلاقات بين الدول العربية وفرنسا فهذا هو دوره في الاساس”.

ولفت الى ان “مسيحيي الشرق ليسوا وحدهم ضحايا الحروب في المنطقة، ولكن قياسا الى عددهم يمكن اعتبارهم من بين الاكثر تهديدا، وهجرتهم ناجمة عن الاضطهاد وعدم اعتبارهم كمواطنين بشكل كامل كما في اسرائيل، ومن الواجب تأمين حربة العبادة والمعتقد لهم، ويجب ان ننتصر على الايديولوجيات الرجعية وليس اللجوء الى السلاح”. واكد ان “علينا كفرانكوفونيين ان نعمل على تشجيع العلاقات بين لبنان وفرنسا، وهذا امر يساعد على اعادة احياء المشروع الاورو- متوسطي”.

بداية، اوضح الرئيس عون ما ينتظره من الزيارة الى فرنسا، فقال: “ان العلاقات قوية وقديمة بين البلدين، وان لبنان يشكل بوابة الشرق الاوسط بالنسبة الى فرنسا وسائر الدول الاوروبية، وهنالك آفاق كثيرة للتعاون يمكن التطرق اليها على الصعد الثقافية والاقتصادية والسياسية وحتى الامنية”.

ولفت الى ان “الرئيس ايمانويل ماكرون حضر الى لبنان في 24 كانون الثاني الفائت لاجل الحديث عن ترشحه للانتخابات الرئاسية، الا اننا انتقلنا بسرعة الى البحث بمشاكل الشرق الاوسط، وتحديدا الحرب في سوريا”. واشار الى ان “لفرنسا مصالح في الشرق الاوسط وحول حوض البحر الابيض المتوسط، نحن فرانكوفونيون ومحبون للفرانكوفونية وعلينا ان نعمل على تشجيع العلاقات بين بلدينا. لن يكون من السهل على سبيل المثال اعادة احياء المشروع الاورو- متوسطي الا عبر ذلك. نحن جيران حول البحر الابيض المتوسط”.

واجاب على سؤال عن شراء لبنان لاسلحة فرنسية بتمويل سعودي، فقال: “لا اعرف، لقد حصل هنالك تبدل لدى قادة المملكة العربية السعودية. انها قرارات ملكية، والملك تمنى العودة عن هذا الاتفاق. هذا كل ما تمكنا من معرفته”.

صلابة اللبنانيين

اما عن السبب الذي يقف خلف “صلابة اللبنانيين” بعد اجتياح لبنان لمرتين خلال 30 عاما، اجاب: “انكم تتحدثون بالطبع عن الاجتياحات الاسرائيلية والجواب هو سهل. نحن شعب لديه ارادة الحياة. ان اللبنانيين متحدون وباستطاعتهم ان يتغلبوا على كافة التهديدات. نحن لا نعيش في منطقة آمنة هنالك الحرب في سوريا ومن الجهة الاسرائيلية هنالك اعتداءات دورية. نحن علينا دائما ان نكون في حالة جهوزية للدفاع عن انفسنا. منذ بضعة ايام، قام الاسرائيليون بعدة اعتداءات، اولها انتهاك مجالنا الجوي بقصف مواقع سورية وفي بداية ايلول قاموا بمناورات حربية كانت لها بعض الارتدادات على مدينة صيدا ، كذلك فان الطائرات الاسرائيلية خرقت جدار الصوت فوقها على علو منخفض. كل هذا يؤدي الى اضرار لدى السكان ونحن تقدمنا بشكوى لدى الامم المتحدة ونأمل باتخاذ تدابير ضد هذه الاعتداءات المتكررة والتي تشكل اخطار نزاع”.

وشرح وضع اللبنانيين المنتشرين في الخارج ودورهم في ظل قانون الانتخاب الجديد، اضافة الى دور المرأة ودعوتها لتكون اكثر حيوية في الحياة السياسية، فأوضح ان “اللبنانيين المنتشرين في الخارج لديهم اختبارات رائعة يمكن ان يتشاركوا معنا بها. انهم مندمجون في الدول التي يقيمون بها وهم في الوقت عينه امناء واوفياء لارضهم الام. اود ان ادعوهم لان يشاركوا في عملية النمو السياسي والثقافي والاقتصادي في لبنان. الامر عينه بالنسبة الى المرأة التي تمثل نصف المجتمع وفي المجتمع المسيحي للمرأة حرية وانفتاح على القوانين المتطورة وتم الغاء الفروقات القانونية والتمييز الجنسي بين الذكر والانثى. وهذا امر ليس بشامل بالنسبة لكافة الطوائف في لبنان واننا نلحظ في الجامعات ان المرأة تأتي في طليعة اللواتي ينجحن وما يمكن ان يقدمنه للتطور هو امر هائل جدا، الا انني معارض لفكرة الكوتا. واتمنى بالمقابل على كافة النساء ان يقتحمن مختلف المجالات ويرتفعن بجهودهن الخاصة”.

سر الالتفاف حول شخص الرئيس

واثار التفاف اللبنانيين حول شخص الرئيس عون فضول الصحافيين الاثنين، فسألا رئيس الجمهورية عن الدعم الذي يلقاه من غالبية المسيحيين والسنة والشيعة، وتفسيره لهذا “الاتحاد المقدس الاستثنائي في لبنان”، فأجاب: “انا لا احب الكلام عن نفسي ولكن هذا يأتي ثمرة عقيدة عملت على احيائها قبل انتخابي واحاول ان اضعها موضع التنفيذ منذ ذلك الوقت. والمبدأ هو اننا على رغم تنوعنا يجب علينا ان نبقى متحدين في الداخل لكي نعمل على تطوير بلدنا والتعويض عن الخسائر التي لحقت به في الماضي. ان مسيرة وحدة اللبنانيين هذه التي نعمل عليها بدأت قبل انتخابي واعتقد انها هي التي ساهمت في تحقيق هذا الانتصار. هنالك تغيير في رؤية لبنان وان ما اؤمن به يدعو الجميع الى الالتزام بالخير العام للبلاد قبل ان يفكروا بمصالحهم الخاصة”.

وأوضح انه “مؤمن بأن الخطر الارهابي قد تم دحره بفضل وحدة الشعب وايضا بفضل التطور الاقتصادي في البلاد، فقد عملنا بجهد كبير خصوصا في مجال الطاقة ونعمل لمعالجة مسألة ازمة الكهرباء ولكن هذا لا يكفي حتى الآن وسنعمل على تطوير السدود وكذلك ما يمكن القيام به في هذه المنطقة حيث ان دعوة لبنان هي ان يكون رياديا في مجال النمو المستدام”.

اما على صعيد مكافحة الارهاب فشدد على ان “الاجهزة الأمنية تقوم بعمل رائع جدا ولديها معلومات دقيقة وجيدة، وقد تم تفكيك عدد من الشبكات وفي كل يوم اجهزتنا توقف من يحاول القيام من الناشطين الاسلاميين المتطرفين بأي عمل ارهابي في لبنان. معظم قادة “داعش” في لبنان تم توقيفهم الأمر الذي سمح لنا في ما بعد بأن نعمل على القيام بعمليات عسكرية ضدهم. وطرد “داعش” من لبنان اتى بفضل الوحدة الوطنية التي اتاحت ذلك لان ما يسمى ب”داعش” هو نقيض الحضارة. ان المسلمين اللبنانيين لا يريدون ولا يؤيدون هذا التنظيم الذي يعود الى افظع اشكال البربرية. ان المسحيين والدروز والشيعة والسنة كلهم يرفضون “داعش”.

واوضح ردا على سؤال ان “الجيش اللبناني وحده هو الذي قام بالعملية العسكرية في آب الماضي . ويجب على اي حال ان نحيي العمل الذي قام به جنودنا الذين نجحوا بازاحة وطرد مختلف اشكال الارهاب المسلح بشكل قوي”.

ازمة النازحين

وعن رؤيته لحل ازمة النازحين واللاجئين في لبنان، رأى رئيس الجمهورية ان “الحل يكون من خلال عودتهم، فهؤلاء قدموا الى لبنان بأعداد كبيرة بطريقة غير شرعية، وهم باتوا يشكلون 50 بالمئة من مجمل سكاننا”.

واكد، في معرض رده على سؤال عن امكان التعاون مع الحكومة السورية لمعالجة ازمة النازحين ان “لبنان سيبحث مع سوريا مسألة عودة النازحين، وهنالك مشاورات قيد البحث، والحكومة السورية اعادت السيطرة على 82% من المساحة الجغرافية للدولة السورية وحتى المعارضون القدامى تصالحوا مع الحكومة”.

وتحدث عن المؤتمر الدولي حول ازمة النازحين الذي يعتزم الرئيس ماكرون تنظيمه في العام 2018 في بيروت، وقال: “الرئيس الفرنسي يرفض عودة الاتصال مع سوريا، ولكنه اشار الى ان مسألة النازحين يمكن ان تحل قبل 2018 ، كما ان فرنسا وسوريا ربما قد يكونا قد تقدما في بعض نقاط الخلاف حتى ذلك الوقت من الان”.

واكد من جهة ثانية ان “القاعدة الديبلوماسية الاساسية قد تقضي بانه بعد كل حرب في العالم يعمل على تحقيق السلام، وما كان مستحيلا في السابق يصبح ممكنا ومن ثم حقيقيا. ليس هنالك من نزاع مباشر بين سوريا وفرنسا، قبل العام 2011 كان هنالك تعاون مهم بين باريس ودمشق والعلاقات كانت جيدة ولاجل ذلك يمكن ان تعود كذلك”.

المسيحيون في المنطقة

وتطرق الصحافيان الى موضوع الوجود المسيحي في الشرق وكونهم “الضحية الكبرى للحروب التي شهدتها المنطقة مما ادى الى تراجع عددهم”، فأوضح ان “مسيحيي الشرق ليسوا وحدهم ضحايا هذه الحروب، ولكن قياسا الى عددهم، يمكن اعتبارهم انهم كانوا من بين الاكثر تهديدا. ان دعوتهم هي ان يندمجوا في مجتمعاتهم. ان هجرتهم ناجمة عن الاضطهاد وعن عدم اعتبارهم كمواطنين بشكل كامل كما في اسرائيل. هناك ايضا الاسباب الاقتصادية والحروب الدائمة، ان مسيرة السلام من شأنها ان تشجع على عودة عدد كبير من مسيحيي الشرق، ومن الواجب ان يتم تأمين حرية العبادة والمعتقد لهم وهذا يتم من خلال التربية. يجب علينا ان ننتصر على الايديولوجيات الرجعية وليس اللجوء الى السلاح. ان لبنان هنا ايضا يمكنه ان يشكل نموذجا”.

وعن تقييمه للفكرة التي تبحث في العراق حاليا المتعلقة بانشاء منطقة مسيحية مستقلة، اجاب الرئيس عون: “لا اعتقد ذلك، ان كل تجزئة تقود الى التطرف والحرب. يجب تشجيع سلم من القيم المشتركة وهذا يجب ان يتم على الصعيد الدولي”.

وعن دور لبنان في مكافحة الارهاب الذي يقوده المتطرفون الاسلاميون، اعتبر انه “الدور الاكبر، علينا ان نقوم بعملية رد ضد الايديولوجية الارهابية لهؤلاء وهذه مسيرة طويلة علينا ان نبدأ بها الآن. ان نقوم بتغيير النظرة في العلاقات بين الناس في المدرسة والمنزل ومن خلال وسائل الاعلام ووسائل التواصل، وايضا من خلال تشجيع التعاون بين الدول”.

سئل عن تطور حضور دول “البريكس” في الشرق الاوسط وكيفية محافظة فرنسا على مكانتها التنافسية، شدد على ان “دول “البريكس” تمثل ديموغرافيا نصف سكان الارض وقوتهم هائلة وليس لديهم اي تخلف او تأخر تكنولوجي. في الشرق الاوسط، خلقت الولايات المتحدة فراغا كبيرا بالنسبة للغرب بالنظر الى سياساتها تجاه اسرائيل. هذه السياسة تولد اعداء دائمين من خلال ارادة حل الامور عبر القوة. ان فرنسا من جهتها عليها ان تختار بين منطقة البحر الابيض المتوسط ومنطقة الاطلسي لا ان تلعب دورا مع طرف ضد الآخر ولكن ان تختار العودة الى الشرق الاوسط او ان تبقى تدور في فلك الولايات المتحدة الاميركية”.

ولفت الى ان “من بين الاهداف التي يريد تحقيقها خلال عهده، العمل لان يكون لبنان حياديا وملتقى حضارات وثقافات سواء اقليميا او على الصعيد الدولي، سويسرا اخرى، واكثر”.

وأشار الى ان الصورة التي يرغب في ابقائها للتاريخ عنه، هي صورة من يقوم بالاصلاحات “لدي حلم وانا اعمل على تحقيقه”.

مجلة باري ماتش

من جهتها، خصصت مجلة “باري ماتش” في عددها اليوم، ست صفحات للحديث عن الرئيس عون وزيارته المرتقبة الى فرنسا ورمزيتها كأول رئيس جمهورية يقوم بزيارة دولة الى فرنسا في عهد الرئيس ايمانويل ماكرون.

وكتب الصحافي دانيال روندو انطباعات كثيرة عن لقائه الرئيس عون في قصر بعبدا خلال يوم أمضاه برفقته، واستذكر ايضا مرحلة سابقة من حياة رئيس الجمهورية عاشها خلال نهاية ثمانينات القرن الفائت، مشيدا بمزاياه التي بقيت على حالها، وارادته الصلبة، واهدافه التي وضعها من اجل لبنان ولم تتغير منذ ان كان قائدا للجيش وحتى بعد وصوله الى سدة الرئاسة، ورغبته في مكافحة الفساد والمحافظة على البيئة، فيما اكد الرئيس عون ان النفي الى فرنسا لم يحبطه ابدا.

وخلال المقابلة، شدد الرئيس عون على انه بعد مرحلة الفراغ الرئاسي، بدأ المسؤولون السياسيون حوارا معه حاول من خلاله تنظيم تعاون بين المجموعات اللبنانية في اطار احترام قناعات وحرية كل منها، وان هدفه كان الاستقرار والامن في لبنان، لافتا الى ان الرئيس سعد الحريري شخص معتدل وتربطه به علاقة ثقة.

وقال ردا على سؤال: “على عكس ما يقوله البعض فإننا لم نشهد اي تدخل ايراني في الشؤون الداخلية اللبنانية، وهذا امر قد يصعب تصديقه ولكنه الواقع”.

وعن الانجاز الذي حققه الجيش اللبناني ضد تنظيم “داعش”، أوضح ان “المعركة كانت الاهم والاخيرة وقد أنهاها الجيش لصالحه، ولكن الارهاب لا يزال يهدد حاليا كل العالم، وعلى الاجهزة الاستخباراتية ان تزيد من قدراتها لمواجهة هذا التنظيم الارهابي الذي سيعمد، وفق ما اخشى، الى انشاء خلايا نائمة في عدد من الدول”.

وعن رؤيته للازمة السورية، اعتبر رئيس الجمهورية ان “الحرب ستنتهي قريبا ويبقى ان نصل الى حل سلمي للازمة”، مشيرا الى اعتقاده بأن “الرئيس السوري بشار الاسد سيبقى وان مستقبل سوريا يجب ان يتم بينه وبين شعبه، وان الحكومة السورية تسعى الى مصالحة من قاتلها، كما ان المصالحة الوطنية تلوح في الافق”، آملا ان “تستمر هذه المسيرة”.

وردا على سؤال عن زيارته كأول رئيس يقوم بزيارة دولة الى فرنسا في عهد رئيسها الجديد، لفت الى انه سيعزز مع الرئيس ماكرون علاقات الصداقة وسبل الدعم المتبادلة في المسائل الدولية التي تهم البلدين، واشار الى ان “فرنسا هي الدولة الافضل اوروبيا لاعادة اطلاق الشراكة الاورو-متوسطية، والى ان لبنان يمكنه لعب الدور نفسه في الشرق”.

وسوم :