الدولة اللبنانية أكبر الرابحين: تبخّر الدين العام

كتب عبادة اللدن في موقع “أساس”:

الرقم الذي أورده الرئيس السوري بشار الأسد لحجم الودائع السورية المحبوسة في البنوك اللبنانية قد لا يكون دقيقاً، لكنه يشير إلى عقدة قد تكون الأصعب أمام تصفية خسائر الأزمة اللبنانية.

لا بد من القول ابتداءً إن لبنان قابل للخروج من الأزمة بأسرع مما يتصور كثيرون، والدولة اللبنانية بالذات ستخرج منها من رابحاً أكبرَ “على الورق”، بعد أن شطبت نصف دينها حتى اليوم، وستشطب المزيد حين يبدأ كلام الجد مع الدائنين ومع صندوق النقد الدولي، ولو على ركام شعب غارق في العتمة والجوع والمرض وطوابير الذل. لنضع جانباً هنا المشكلة الاقتصادية الخانقة وقهر الناس، فذاك حديث يطول، ولنحصر الحديث بالخسائر المالية.

خلال عشرين شهراً افتقر الناس، لكنّ دين الدولة انخفض على الورق من 90 مليار دولار إلى ما لا يتجاوز 46 مليار دولار حالياً وفق سعر الصرف السائد. فالدين بالعملات الأجنبية، شاملاً الاستحقاقات والكوبونات غير المدفوعة منذ توقف الدولة عن السداد في آذار 2020، يبلغ نحو 42 مليار دولار، والدين بالليرة يزيد قليلاً على 91 ألف مليار ليرة، وهو ما يعادل 60 مليار دولار بسعر الصرف الرسمي (المنقرض)، لكنه لا يساوي أكثر من 4.1 مليار دولار وفق سعر الصرف السائد في السوق الموازية.

والأهم أن الدين العام الذي يحمله الأجانب لا يتجاوز 18 مليار دولار، شاملاً المتأخرات منذ آذار 2020، وهو رقم يقل عن حجم الناتج المحلي الإجمالي، حتى وفق أكثر التقديرات تشاؤماً أو تحفظاً. أما ما تبقى من اليوروبوندز فتحملها مصرف لبنان والبنوك اللبنانية وشركات وأفراد.

وما من شك أن أية عملية إعادة هيكلة مستقبلية للدين العام ستتضمن خصماً (هيركت) على الدين الحكومي بالدولار (اليوروبوندز) يتراوح بين 50% و80%، وستتم مراجعة الفوائد بالتأكيد وجدول السداد. ولا يبدو من مسار الأمور في الأشهر الماضية أن لدى الدائنين الأجانب الكثير من الأسلحة لفرض شروطهم، أو أقله هذا ما يوحي به انتظارهم التفاوض من دون اتخاذ خطوات قانونية للحجز على الأصول اللبنانية في الخارج. هذا يعني أن بإمكان الدولة أن تخرج بحملٍ معقول للدين العام لن يزيد على 70% من الناتج المحلي الإجمالي. وتلك نسبة معقولة لا تحلم بها معظم الدول الأوروبية!

أين المشكلة إذاً؟
المشكلة أن معظم الدين الذين شطبته الدولة أو ستشطبه هو دين داخلي، أي أن الخسائر تقع داخل “النظام” اللبناني. بمعنى أن الخسائر ستُصفى بين الدولة ومصرف لبنان، وبين مصرف لبنان والبنوك، وبين البنوك ومودعيها. وطالما أن الدولة مشلولة عن القيام بأي فعل لإعادة الهيكلة وتوزيع الخسائر، وملهيّة بجنس الوزراء، فإن التصفية المطروحة للخسائر هي تصفية الأمر الواقع (de facto)، بحيث تتفاقم الأزمة إلى أن تتلاشى قيمة الودائع الدولارية (اللولارية) إلى أن تصبح تشيكاتها عديمة القيمة، وتصبح “ليلرتها” أمراً واقعاً. وبذلك يقع الغُرم على المودعين من الحلقة الأضعف، بعد أن هرب كبار القوم من أصحاب “السوبر واسطة” بأموالهم إلى الخارج، بتغطية من السلطة التي تهرّبت من إقرار “الكابيتال كونترول” في أيام الأزمة الأولى.

وسوم :
مواضيع متعلقة