سيناريو جريمة أنصار من التخطيط إلى التنفيذ: كيف استدرَج القاتل الأم وبناتها؟

حُوِّل التحقيق في جريمة القتل الجماعيّة في بلدة #أنصار من مخابرات الجيش إلى شعبة المعلومات، أمس الجمعة، وحان الوقت الآن للبحث المعمّق وراء دوافع الجاني حسين فياض، وكيفيّة تنفيذه الجريمة. أسئلة عدّة شغلت أذهان اللبنانيين: كيف استدرَج فياض الفتيات الثلاث ريما، تالا ومنال صفاوي، ووالدتهنَّ باسمة عباس للخروج من منزلهنَّ؟ كيف نفّذ الجريمة؟ وما دور السوريّ حسن الغنّاش الفارّ إلى سوريا؟

#جريمة أنصار تُعَدّ الأخطر في السنوات الأخيرة في قرى الجنوب خصوصاً ولبنان عموماً، حتّى أنّها دفعت البعض للتساؤل عن “الفكر الداعشي” لدى فياض، ودوافعه الشخصية للإقدام على فعل القتل المتعمَّد والجماعيّ. ما تُظهره الدلائل التي جُمعت حتى الساعة حول جريمة فياض، فإنّها “لم تحصل في لحظتها”، وفق ما أكّدته مصادر مطّلعة لـ”النهار”. تؤكّد المصادر أيضاً أنّ “فياض خطّط للجريمة مسبقاً، وجهّز مكان الدفن والعدّة والحجارة والباطون الذي استخدمه لدفن الجثث قبل التنفيذ، وقد اختار اللحظة الحاسمة في 2 آذار، أثناء طقس عاصف شهده لبنان آنذاك”.

ماذا جرى مساء الأربعاء 2 آذار في بلدة أنصار ومحيطها؟ وكيف خرجت الفتيات ووالدتهنَّ من المنزل؟

اعتمد حسين فياض أسلوب الاستدراج لإخراج ضحاياه من المنزل، وهو الذي كان يتردّد إليه مراراً بعد علاقة عاطفية جمعته بالابنة الوسطى تالا (20 عاماً). تروي مصادر مطّلعة لـ”النهار” ما جرى. اتّصل فياض بالوالدة باسمة وأقنعها بالخروج مع بناتها لتناول السندويش في مكان قريب من البلدة، إلّا أنّ الابنة الصغرى رفضت، فأصرَّ عليهنّ جميعاً، وأقنعهنَّ أنّ المطعم قريب ولن يتأخّرنَ. خرجت الضحايا الأربع على عجل بثياب البيت، وتُركت الأغراض الخاصّة في مكانها، حتّى أنّ الركوة التي كانت باسمة تحتسي قهوتها وُجِدت على الطاولة، إضافة إلى أوراقهنَّ الشخصية والمصاغ، وهذا ما شكّل دليلاً إضافيّاً لدى الوالد #زكريا صفاوي أنّ وراء اختفائهنَّ دافع إجراميّ وليس فراراً إراديّاً.

توجّه فياض إلى مكان قريب من المغارة حيث وُجِدت الجثث، وكان على اتّفاق مع السوري حسن الغنّاش للمساعدة في إتمام الجريمة. وعند وصوله، طلب فياض من الأم وبناتها النزول من السيارة بحجّة أنّه يريد التحدّث على انفراد مع الغنّاش. نزلت العائلة من السيارة، ونفّذ فياض جريمته في دقائق، مستخدماً سلاح “بومب أكشن” نحو الوجه والصدر ومن مسافة قريبة، وفق ما أظهره كشفُ الطبيب الشرعي على الجثث بالأمس. وهنا تلفت المصادر المطّلعة إلى أنّ “فياض خطّط لنزول العائلة من السيارة وتنفيذ الجريمة بعيداً منها بقليل لئلّا تظهر أيّ آثار لدماء وحمض نووي على السيارة بعد مقتلهنّ”، وهذا ما يعزّز فكرة التخطيط المسبق لكلّ تفاصيل الجريمة.

الخطر في الأمر أنّ الغنّاش ساعد فياض على نقل الجثث الأربع إلى داخل المغارة في خراج أنصار، وعملا على دفنها وردمها وسكب الباطون فوقها.

ما الدافع وراء مساعدة الغنّاش لفيّاض في نقل المغدورات، فهل لقاء بدل ماديّ فقط أم هناك أمور أخرى تربطهما؟

لم ينتهِ الفعل الإجراميّ لدى فياض عند حدّ القتل فحسب، بل توجّه، بعد دفن الجثث، إلى شاليه قريب من المغارة للاستحمام. بدّل ملابسه، استخدم هاتف الابنة الصغرى منال (16 عاماً) وأرسل رسالة عبر “الواتساب” لابنة خالتها بهدف تمويه خروجهنَّ من المنزل، كتب فيها: “خرجنا مع حسين لنأكل سندويش بالنبطيّة”، ومن ثمّ أقفل الهاتف وتوارى عن الأنظار.

ملابسات الجريمة ليست وحدها التي أثارت تساؤلات وشكوك، بل المسار القضائيّ المُتّبع في التحقيق الأوّلي لاختفائهنَّ. إذ تطرح مصادر قضائيّة متابعة لملفّ التحقيق “تساؤلات مشروعة” حول تقصير النيابة العامة الاستئنافية في النبطية وعلى رأسها النائبة العامة الاستئنافية غادة أبو علوان، بالقول: “هل ثمّة سبب معيّن وراء إقفال التحقيق مسبقاً وهو ما أدّى إلى فرار المتّهم إلى سوريا؟”.

أحقّاً قتلت الأم وبناتها عمداً ودفنَّ بكلّ هذه الأعصاب الباردة؟ ألَم يُنذر غضب الطبيعة في تلك الليلة أنّ ثمّة مظلومات دخلنَ قلب المغارة ولم يخرجنَ؟ أيّ معطيات إضافية ستتكشّف في الأيام المقبلة؟ وهل ستقبض الدولة على أمنها المتفلِّت أم سنشهد على جرائم مشابهة؟

قضائيّاً، ساهم المختار زكريا صفاوي، المفجوع ببناته الثلاث وطليقته، في وضع أسس الأدلّة للجريمة، وقد أصرّ على رفض ختم التحقيق ونتائج التحرّيات بعد إقفال الملفّ سابقاً بُعيد أيّام من اختفائهنَّ، وذلك سعياً لعدم طمس الحقيقة.

ومنذ إقفال التحقيق أمس لدى مخابرات الجيش وتحويله إلى شعبة المعلومات، لم تقدّم أي معطيات جديدة في التحقيق القضائيّ، وقد تمّ التحقيق مع امرأة على صلة بالسوري الغنّاش. ومن المفترض أن تبدأ شعبة المعلومات تحقيقاتها غداً، ومن ثمّ تُحوِّل الملفّ إلى النيابة العامة التمييزية. وستخضع الجريمة لأحكام المادة 549 عقوبات وتُحوَّل على قاضي التحقيق الذي يصدر قراراً ظنيّاً، ومن ثمّ تُحوَّل على الهيئة الاتهاميّة في محكمة الجنايات.

التحقيق في جريمة أنصار من المفترض ألّا يأخذ وقتاً طويلاً، وفق ما يأمل المتابعون للملفّ، وذلك لخطورة الجريمة وتداعياتها على أهالي البلدة ولبنان أجمع، خصوصاً أنّها أثبتت انعدام الأمن في لبنان وتزايد الأفعال الجرمية على أبسط الأمور، وصولاً إلى عملية قتل جماعية منظّمة.

المصدر: النهار

وسوم :
مواضيع متعلقة