قصة «كاريوكا» من صالة «مصابنى» إلى السينما

لم تدرك يومًا الطفلة بدوية محمد كريم علي السيد النيداني، وهي تقف أمام الجمهور للمرة الأولى في
سن صغير، أنها ستكون نجمة ملء السمع والبصر، يتحاكى بها المجتمع المصري والعربي، بل أنها ستجدد وتطور في مجال الرقص الشرقي، وستصبح واحدة من أعظم الممثلات في السينما المصرية، وعلى المستوى الإنساني والنضالي كذلك، لدرجة دفعت كتاب في البحت عنها لتحليل شخصيتها، التي أسرت بجمالها القلوب ورسمت بعقلها طريقا في الفن والسياسة.

«ميلادها وسبب هروبها»
وُلدت تحية كاريوكا في 22 فبراير سنة 1919 بمحافظة الإسماعيلية لأسرة فقيرة، وأزداد الفقر حدة خاصة بعد إنفصال والدتها عن والدها، الأمر الذي دفعها للذهاب إلى منزل أخيها للإقامة معه، ولكن أخاها أعتاد على ضربها كي تخدم زوجته، فما كان منها إلا أن هربت من الإسماعيلية إلى القاهرة، وما من سبيل للحصول على النقود سوى تعليم الرقص الشرقي، فبدأت ممارسته في الأفراح الشعبية والموالد أحيانا، حتى رأتها الراقصة المعروفة وقتها،محاسن محمد، فضمّتها إلى فرقتها حتى اشتد عودها، فانتقلت للعمل في أهم مسرح استعراضي في مصر، وهو مسرح وفرقة بديعة مصابني.

«الرقص في صالة بديعة مصابني»
زاملت تحية كاريوكا عددا كبيرا من الفنانين العظماء، فهناك تعرفت على نجيب الريحاني زوج بديعة مصابني، وفريد الأطرش الذي كان يعمل ملحنا ومطرب مع الفرقة، وإسماعيل ياسين مونولوجيست الفرقة، والمؤلف أبو السعود الإبياري، وأيضا محمد فوزي الذي عمل لفترة في الفرقة، والراقصة سامية جمال وغيرهم من النجوم.

«سر تسمية كاريوكا»
حصلت «تحية» اللقب عندما قدمت رقصة الكاريوكا، وهي رقصة مكسيكية شهيرة على مسرح دار الأوبرا المصرية ضمن إحدى الحفلات التي كان ينظمها مدير الأوبرا وقتها سليمان بك نجيب، وظل اللقب ملاصقا لها طوال حياتها.

«حكايتها مع السينما»
ما أن ذاع صيتها على مسرح بديعة مصابني، ورقصتها، التي اشتهرت بها، حتى أسرعت السينما إليها لتخطفها من بديعة، فظهرت كراقصة في مشاهد قصيرة في عدد من الأفلام، ثم مُنحت أدوارا صغيرة نسبيا، وبدأت مساحة الأدوار تكبر، حتى فيلم خلف الحبايب في سنة 1939، الذي يعد نقله كبيرة لها في تلك الفترة، والتي أهلتها لأن تقدم منذ سنة 1944 بطولات مطلقة في أفلام نادوجا، وأحب البلدي في سنة 1945، وماقدرش سنة 1946، حتى حصلت على شهادة فنية معتمدة من نجيب الريحاني عندما قرر أن تشاركه بطولة فيلم لعبة الست سنة 1946.

«اعتزال الرقص وتفرغها للسينما»
انطلقت تحية كاريوكا في السينما لتشارك البطولة نجوم تلك الفترة، ومنهم حسين صدقي، ومحمد فوزي، وأنور وجدي، وإسماعيل ياسين وغيرهم، حتى اعتزلت الرقص الشرقي بشكل كامل في منتصف الخمسينيات وتفرغت للتمثيل، وقدمت عددا كبيرا من الأفلام تجاوز الـ 150 فيلم، إضافة إلى المسرحيات والمسلسلات التلفزيونية والإذاعية، من بينها دُرر خالدة في تاريخ السينما المصرية، كأفلام شباب إمرأة، والفتوة، وسمارة، واحنا التلامذة، واإسلاماه، وشفيقة القبطية، وأم العروسة، وخلي بالك من زوزو، والسكرية، وزائر الفجر، والكرنك، والسقا مات، والصبر في الملاحات، وللحب قصة أخيرة، والتعويذة، واسكندرية كمان وكمان، ومرسيدس، وسوق النساء، والجراج.

كما شكّلت تحية كاريوكا وزوجها فايز حلاوة فرقة مسرحية قدمت العديد من الأعمال، والتي اتسمت جميعها بالنقد السياسي المباشر والواضح والجرئ، ما جعلها عُرضة لمضايقات من أجهزة الدولة في أحيان كثيرة.

«الاتهاب الرئوي سبب وفاتها»
في يوم 20 سبتمبر عام 1999، توفيت تحية كاريوكا إثر إصابتها بالتهاب رئوي حاد نُقلت على إثره إلى مستشفي معهد ناصر بشبرا، لتنتهي حياة فنانة وإنسانة من الطراز النادر، ولتبقى أعمالها وسيرتها خالدين إلى الأبد.
الدستور